نظام بيئي صغير داخل قطرة ماء يرمز إلى القرية التربوية كنظام مترابط يحتضن نمو الطفل، حيث تتكامل الأسرة والمجتمع لتوفير الأمان، الاستمرارية، والتنشئة السليمة

أهمية القرية في التربية

December 26, 20254 min read

القرية التربوية بين النظرية والواقع

في بيئة التربية الحديثة التي تتعرض لضغوط متعددة ضغط عمل، ضغط تغير اجتماعي، ضغط توقعات مهنية وأسرية تبرز قيمة شيء بسيط لكن جوهري القرية. ليست “مجتمع كبير” فحسب، بل شبكة دعم تربوية من أقارب، أصدقاء، جيران، مربين، مجتمع محلي تساند الأم، الطفل، والأسرة ككل

لكن لماذا أصبحت هذه “القرية” ضرورة في عصرنا أكثر من أي وقت مضى؟ وما الأدلة التي تؤكد أن التربية الناجحة لا تبنى في عزلة؟

القرية تزيد جودة التنشئة الاجتماعية والقيم ⬅

امرأة تقدم الطعام لعدة أطفال في بيئة مجتمعية، تجسد مفهوم القرية التربوية والرعاية المشتركة التي توفر الأمان العاطفي للأطفال

It Takes a Village to Raise a Child: Understanding and Expanding the Concept of the Village بحث بعنوان
يؤكد أن القرية أي الإطار الاجتماعي المحيط بالطفل والأسرة تعني مشاركة متعددة الأدوار: أجداد، جيران، معلمين، أقران وكلهم يصبحون جزءا من عملية التنشئة

هذا الإطار الاجتماعي المتعدد يوسع تنوع الخبرات والرؤى التي يتعرض لها الطفل ليس فقط نموذج أب وأم، بل عدة نماذج سلوكية وقيمية.ولهذا، القدوة لا تبقى نموذج محدود، بل تتنوع

ودراسة محلية في مصر بعنوان إسهامات الروابط المجتمعية في تعزيز القيم المرتبطة بتنظيم الأسرة بالمجتمع الريفي، أكدت أن الروابط المجتمعية تسهم في "تعديل القيم الخاصة بالنظرة إلى المرأة، الزواج، الأسرة، وغيرها" في المجتمع الريفي

ما نلاحظه هنا:ليس فقط الطفل يستفيد من القرية، بل الأسرة كاملة القيم تتبلور في بيئة أوسع، ليست محصورة داخل الجدار المنزلي

القرية تمنح الأطفال أمانا عاطفيا ونفسيا كمفتاح السعادة والتنمية⬅

أم تجلس مع أطفالها أثناء إعداد الطعام في بيئة منزلية بسيطة، تعكس الدفء العاطفي والتفاعل اليومي كجزء من التنشئة داخل القرية التربوية

بحث بعنوان عوامل الشعور بالسعادة لدى الأطفال أظهر أن الأطفال الذين ينشأون في بيئة تحتوي على “حنان، دفء، اهتمام عاطفي واستقرار” وليس فقط تلبية احتياجات مادية هم أكثر سعادة، توازنا نفسيا، واستقرارا اجتماعيا

عندما تكون “القرية” قريبة بشكل إيجابي أهل جيران، أصدقاء يتلقى الطفل دفعات عاطفية متنوعة: حنان من الأم، دعم من الجدة، استماع من الجار، مشاركة من الجار المربي هذه التعددية تعزز شعور الانتماء، الأمان، والتشبّع العاطفي

النتيجة؟ طفل لديه ثقة أكبر، تعبير أفضل عن المشاعر، قدرة أوسع على التعامل مع الاختلافات الاجتماعية

دعم الأم، بناء للقرية يعني بناء لتوازن الأم/الإنسان ⬅

مجموعة من النساء يتبادلن الحديث والدعم في لقاء اجتماعي، تعكس أهمية الشبكات النسائية في دعم الأم وبناء القرية التربوية

أغلب الدراسات تركز على الطفل، لكن هناك دراسات تعالج الأسرة ككل. بحث بعنوان المشاركة المجتمعية وتحسين جودة حياة أسر الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة ناقش كيف أن مشاركة المجتمع مؤسسات، أسر أخرى، جماعات تعزز من جودة حياة الأسر، خصوصًا الأسر التي تواجه تحديات إضافية

عندما تتعرض الأم لضغوط مادية، نفسية، تربوية وجود “قرية” حولها يخفف العبء. هذا الدعم الاجتماعي ليس رفاهية؛ بل عنصر فعال لصحة نفسية للأم وأسرتها

بالإضافة، بيئة أسرية مستقرة وعلاقات زوجية سليمة، كما أشارت دراسة بعنوان جودة حياة الأسرة وتأثيرها على القدرات العقلية للأطفال قبل المدرسة، تؤثر بشكل كبير على قدرة الطفل على التركيز، الإبداع، وتنمية الذكاءات المتعددة

بعبارة بسيطة: الأم التي تملك شبكة دعم ولا تحمل العبء وحدها تكون أكثر قدرة على توفير بيئة تربوية غنية، سواء لأولادها أو لنفسها


القرية تمنع عزلة الطفل وتوسع مهاراته الاجتماعية ⬅

مجموعة من الكبار والصغار يعملون معًا في نشاط زراعي، تعكس التعاون المجتمعي وتنمية القيم الاجتماعية لدى الأطفال

عندما يكبر الطفل محاطًا بمجموعة من الكبار والأقران كلّ بمنظوره وطريقته يتعلم تنوع العلاقات: كيف يتعامل مع جدة بتحفيز وقبول، مع جار بنمط مختلف، مع رفيق له ميول مختلفة

هذا التنوع ينمي

مهارات تواصل ✅

تعاطف وفهم للآخر ✅

مرونة في التفاعل الاجتماعي ✅

قدرة على التكيّف مع اختلافات ✅

وهو ما لا يتحقق عندما يكون الطفل متعلقًا بمجموعة ضيقة: الأم ،الأب، الأخوة فقط

القرية كنظام متكامل يعزز استقرار الأسرة والمجتمع ⬅

أيدى متشابكة لأشخاص مختلفين ترمز إلى الترابط والدعم المتبادل، في تعبير بصري عن مفهوم القرية التربوية كنظام متكامل

التنشئة الاجتماعية لا تحدث فقط داخل الأسرة الصغيرة، بل داخل سياق اجتماعي أوسع. الأسرة المتزنة تخرج أفرادا قادرين على الانخراط بالمجتمع، تحمل مسؤولياته، تحافظ على القيم، تبني روابط صحية. وهذا ما تؤكده دراسات في التربية الأسرية وأثرها على المجتمع

القرية إذا هي جسر بين الأسرة والمجتمع: الأسرة تنشئ القيم، والمجتمع يعززها، فيصبح الطفل جزء من نظام مترابط: شخص، أسرة، مجتمع

كيف تبني “قرية تربوية” عملية في زمن الحداثة؟ ⬅

شهد يجسد الربط بين الأسرة والمجتمع من خلال دعم تربوي جماعي، حيث يصبح الطفل جزءًا من نظام مترابط يضم الأسرة والمؤسسات الاجتماعية ضمن مفهوم القرية التربوية الحديثة

لنكن واقعيين: قد لا يكون لدينا جدود يعيشون معنا، أو جيران قريبون، أو شبكة اجتماعية جاهزة. لكن يمكن بناء “قرية” بذكاء

استثمار المؤسسات الاجتماعية مثل المراكز الاجتماعية، النوادي، جروبات الأمهات، حلقات الأمومة، حيث تتشارك النساء أدوار تربوية، دعم نفسي، وخبرات

شراكات بين أمهات تبادل رعاية الأطفال، مشاركة أفكار تربوية، دعم عاطفي

تفعيل دور “الرائدات الاجتماعيات” كما أكدت دراسة دور الرائدات الاجتماعيات في تنمية وعي الأمهات بأساليب التربية الإيجابية، يمكن أن يساعدن في نشر الوعي بأساليب التربية الإيجابية، ومساندة الأمهات اللاتي يفتقرن لدعم مجتمعي

وعي بمسؤولية الأسرة والمجتمع كل منا قد يكون “قرية” لغيره: جار، معلمة، صديقة. تحمل مسؤولية، دعم، تقدير

لماذا “القرية التربوية” ليست رفاهية بل ضرورة بشرية وعلمية

نشاط تربوي مجتمعي يوضح كيف تتحول القرية التربوية من فكرة إلى ممارسة، عبر تعاون الأسرة والمؤسسات الاجتماعية

لأنها تثري التنشئة بالقيم وتوسع الفضاء العاطفي والاجتماعي للطفل▪

لأنها تدعم الأم وتخفّف عنها عبء التربية وحدها ▪

لأنها تمنح الطفل مهارات اجتماعية حقيقية، مرونة، وقابلية للتعايش مع تنوع العالم ▪

لأنها تربط الأسرة بالمجتمع، ما يعني تنشئة أفراد مسؤولين، مجتمع متماسك، مستقبل أكثر استقرار ▪

إذا أردنا أن نربي أجيال قوية نفسيا، اجتماعيا، أخلاقيا لا يكفي أن نعتمد على أسرة صغيرة بمفردها
نحتاج أن نعيد بناء القرية التربوية: شبكة دعم إنسانية وثقافية، تمنح الحب، الأمان، التنوع، الاستقرار
عندها نصنع أطفالً واثقين بأنفسهم،

أمهات متوازنات، مجتمعات متماسكة وكل ذلك ليس رفاهية، بل استثمار في الإنسان والمجتمع

باحثة وأكاديمية متخصصة في العلوم المعرفية الإدراكية، وخبيرة في التربية من الدماغ، بخبرة تمتد لأكثر من عقدين في البحث العلمي وتطوير البرامج التربوية المبنية على الدليل

بروفيسور إحسان بدر

باحثة وأكاديمية متخصصة في العلوم المعرفية الإدراكية، وخبيرة في التربية من الدماغ، بخبرة تمتد لأكثر من عقدين في البحث العلمي وتطوير البرامج التربوية المبنية على الدليل

Instagram logo icon
Back to Blog

Copyrights 2025 | www.brainparentingcouncil.com | Terms & Conditions