
”الصراع الصامت داخل عقل الأم ”البيت أم العمل
قراءة علمية عصبية في معركة “البيت أم العمل” ودور الأمان في توازنها الداخلي
هناك سر لا تفصح عنه كثير من النساء
،سر تتجنب الأمهات الاعتراف به رغم أنه جزء أصيل من تجربتهن اليومية، إنه ذلك الصراع بين صوتين متناقضين يسكنان الداخل
صوت يدعوها للبقاء في البيت، يمنحها شعور بالمعنى من خلال الأمومة والرعاية والاحتواء
وصوت آخر يدفعها للمضيّ في عملها؛ لتحفظ استقلالها وتؤمن مستقبلها وتبني لنفسها سندا لا يتأثر بتقلبات الظروف أو تقصير الآخرين
قراءة علمية\عصبية في معركة “البيت أم العمل” ودور الأمان في توازنها الداخلي
لماذا تعيش الأم هذا الصراع؟ تفسير دماغي دقيق
لماذا يتضخم الصراع عند النساء أكثر من الرجال؟

وصف لامسه الدكتور كريم بكار حين قال
إن هذا الصراع يذوب إذا وجدت المرأة ما تحتاجه من تقدير وأمان، ومساندة حقيقية تجعلها قادرة على التوازن بين رسالتها كأم ناجحة وطموحها كإنسانة لها حق في العطاء
هذا القول ليس تأملا شخصيا، بل خلاصة تؤكدها علوم الأعصاب الحديثة
لماذا تعيش الأم هذا الصراع؟ تفسير دماغي دقيق
لفهم جذور المشكلة، علينا النظر داخل الدماغ، حيث تتفاعل ثلاثة أنظمة عصبية رئيسية
نظام الرعاية

يرتبط هذا النظام باللوزة الدماغية و غدة تحت المهاد، ويحفزه هرمون الأوكسيتوسين
هذا النظام يجعل الأمومة ليست "دورا اجتماعيا" بل حاجة بيولوجية تتجلى في الاستجابة الفطرية للحماية والتهدئة والارتباط العاطفي
نظام الإنجاز
تقوده القشرة الجبهية الأمامية ، المسؤولة عن التخطيط، اتخاذ القرار، التنظيم التنفيذي، وتحقيق الأهداف طويلة المدى
تنشيط هذا النظام يعزز شعور المرأة بالجدارة الذاتية والإنجاز
نظام النجاة
هذا النظام يرفع صوت “الحاجة إلى الأمان الاقتصادي والعاطفي”
وهو النظام الذي يجعل المرأة تدرك أهمية العمل كمصدر للاستقلال، خصوصا في بيئات غير مستقرة
عندما تعمل هذه الأنظمة الثلاثة في وقت واحد دون دعم اجتماعي أو بيئة آمنة، يتحول الداخل إلى ساحة صراع عصبي لا يرى، ولكنه يستنزف كل يوم
لماذا يتضخم الصراع عند النساء أكثر من الرجال؟

حلقة المسؤولية المفرطة
تظهر الدراسات أن لدى النساء ميل بيولوجيا لربط الهوية الشخصية برفاه الأسرة، بينما يحتفظ الرجال بفصل نسبي بين الأدوار
هذا التداخل يرهق الشبكات العصبية
التوقعات الاجتماعية المتناقضة
المرأة تتلقى رسائل جاهزة لا تنتهي
"كوني أم متفرغة" ▪
"استقلالك ضرورة" ▪
"لا تقصري في بيتك" ▪
"اعملي على تطوير نفسك" ▪
هذا ما يعرف بـ التنافر المعرفي، ويخلق استنزافا للقشرة الجبهية الأمامية
الإرهاق المعرفي
المرأة تتخذ يوميا قرارات صغيرة وكبيرة من إدارة البيت إلى مهام العمل، مما يستهلك القدرة التنفيذية للدماغ ويجعلها أكثر حساسية للضغط
غياب نماذج واقعية للمرأة المتوازنة
غياب القدوة يزيد من التشويش ويجعل التوازن أقرب إلى “الأسطورة” منه إلى الواقع
متى يهدأ الصراع؟ العلم يقدم الإجابة بوضوح
تشير الأبحاث إلى أن الدماغ يصل إلى حالة التناغم العصبي عندما يتوفر للمرأة ثلاثة عناصر مركزية
أولا: الأمان النفسي والعاطفي
الأمان ليس "رفاهية"
إنه شرط عصبي لإيقاف تفعيل نظام النجاة
عندما تشعر المرأة بأن لها سندا، وأن احتياجاتها العاطفية محترمة، يتراجع القلق ويستعيد الدماغ قدرته على التوازن.
ثانيا: التقدير والاعتراف بالدور

التقدير يحرك نظام المكافأة المرتبط بالدوبامين
حين تدرك المرأة أن جهودها في البيت والعمل مرئية ومعترف بها، تنخفض مستويات الالتهاب العصبي المرتبط بالتوتر
ثالثا: المساندة العملية (وليس الشعارات)
المساندة التي يقصدها د. بكار ليست كلمات، بل أدوات
توزيع عادل للأدوار داخل المنزل
دعم مهني أو مرونة في ساعات العمل
شبكات اجتماعية تمنح المرأة مساحة للتنفس
هذه المساندة تثبت علميا أنها تخفض من نشاط الجهاز العصبي الودي
وترفع نشاط الجهاز اللاودي الذي يعيد التوازن
كيف تستعيد المرأة توازنها بين الأمومة والإنجاز؟
بناء “هوية متكاملة” وليس هوية مزدوجة
تشير أبحاث إلى أن الدماغ يتكيف بسرعة أكبر عندما يرى الأدوار كجزء من "هوية واحدة"، لا صراع بين هويتين
تقليل عدد القرارات اليومية

الحد من يحرر القشرة الجبهية الأمامية للمهام المعرفية الكبرى
بيئة منزلية داعمة تعلميا
منهج التربية من الدماغ يؤكد أن الأم المتوازنة تخلق أطفالا أكثر تنظيما وانضباطا عصبيا
. الاستثمار في مهارات التنظيم التنفيذي
مثل
التخطيط
إدارة الوقت
تحديد الأولويات
وضع بروتوكولات منزلية ثابتة
كلها مهارات مرتبطة مباشرة بالقشرة الجبهية الأمامية
الصراع ليس ضعف، ولا دليل على عجز المرأة عن التوازن
إنه انعكاس طبيعي للتداخل العصبي بين أنظمة الرعاية والإنجاز والنجاة داخل الدماغ
ولكن كما قال الدكتور كريم بكار
"حين تجد المرأة التقدير والأمان والمساندة، يختفي الصراع"
والعلم اليوم يؤكد أن هذه العناصر ليست “دعما عاطفيا” وحسب، بل شروط عصبية لإعادة ضبط الدماغ ومنحه القدرة على التوازن بين الأمومة والإنجاز دون أن تدفع المرأة ثمن نفسي باهظ

